الخطيب الشربيني
482
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقيل : إلى أن يأتيهم عذاب الله ، وقيل : إلى فتح مكة ، وقال مقاتل بن حيان : نسختها آية القتال . وَأَبْصِرْهُمْ أي : إذا نزل بهم العذاب من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي : ما قضيناه لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد . ولما قيل لهم ذلك قالوا استهزاء : متى نزول العذاب ؟ فقال تعالى تهديدا لهم : أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أي : إن ذلك الاستعجال جهل ؛ لأن لكل شيء من أفعال الله تعالى وقتا معينا لا يتقدم ولا يتأخر . فَإِذا نَزَلَ أي : العذاب بِساحَتِهِمْ قال مقاتل : بحضرتهم ، وقيل : بفنائهم ، قال الفراء : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فشبه العذاب بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة فَساءَ أي : فبئس صباحا صَباحُ الْمُنْذَرِينَ أي : الكافرين الذين أنذروا بالعذاب ، وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه : « أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا وكان إذا جاء قوما بليل لم يغر حتى يصبح ، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيها ومكاتلها ، فلما رأوه قالوا : محمد والله محمد والخميس ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث مرات » « 1 » . وقوله تعالى : وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ فيه وجهان أحدهما : أن في هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال يوم القيامة على هذا فالتكرار زائل ، والثاني : أنها مكررة للمبالغة في التهديد والتهويل . فإن قيل : ما الحكمة في قوله أولا : وَأَبْصِرْهُمْ وههنا قال : وَأَبْصِرْ بغير ضمير ؟ أجيب : بأنه حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصارا لدلالة الأول عليه وإما اقتصارا تفننا في البلاغة . ثم إنه تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية فقال تعالى : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ أي : الغلبة والقوة وفي قوله تعالى : رَبِّ إشارة إلى كمال الحكمة والرحمة ، وفي قوله تعالى الْعِزَّةِ إشارة إلى كمال القدرة وأنه القادر على جميع الحوادث ؛ لأن الألف واللام في قوله تعالى : الْعِزَّةِ تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكا له سبحانه لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله سبحانه وتعالى : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ أي : أن له ولدا كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات وقوله تعالى : وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ أي : المبلغين من الله تعالى التوحيد والشرائع تعميم للرسل بعد تخصيص بعضهم . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام وعلى ما أفاض عليهم ومن اتبعهم من النعمة وحسن العاقبة ، ولذلك أخره عن التسليم والغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يغفلوا عنه لما روى البغوي عن علي رضي الله
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 371 ، ومسلم في الجهاد حديث 120 ، 121 ، والترمذي في السير باب 3 ، والنسائي في المواقيت باب 26 ، ومالك في الجهاد حديث 48 ، وأحمد في المسند 3 / 102 ، 111 ، 164 ، 186 ، 206 ، 246 ، 263 .